الثلاثاء، نوفمبر 06، 2012

كواكب أكثر، تلسكوبات أقل



أعلن علماء الفلك خلال الأسابيع القليلة الماضية عن اكتشافين غير عاديين في سياق البحث المستمر عن كواكب تدور حول نجوم غير الشمس. كان الاكتشاف الأول كوكبا بحجم نبتون يبعد عنا 5,000 سنة ضوئية ويدور حول أربعة نجوم فيما يشبه مجموعتنا الشمسية، وهو شبيه بكوكب "تاتوين" الذي ينتمي إليه "سكايووكر" بطل سلسلة حرب النجوم الشهيرة، والفرق الوحيد بينهما هو أن تاتوين كان يدور حول نجمين اثنين فقط.

أما الكشف الثاني فكان كوكبا بحجم الأرض في نظام ألفا قنطورس القريب منا، والذي يضم ثلاثة نجوم تدور حول بعضها على بعد لا يتجاوز أربع سنوات ضوئية من مجموعتنا الشمسية. وبالإضافة إلى أن هذا الكوكب "الجديد" هو الأقرب إلينا مما تم اكتشافه، فإنه أيضا أقرب ما يمكن اكتشافه من كواكب. (وليس بغريب أن الكثير من كتاب الخيال العلمي – ولكن ليس جورج لوكاس – قد نسجوا الكثير من حكاياتهم في نظام ألفا قنطورس). الحرارة على سطح هذا الكوكب مرتفعة للغاية، تصل إلى 2000 درجة، لذا فمن المتوقع أن يكون سطحه منصهرا، إلا أن مجرد وجود هذا الكوكب يطرح بقوة احتمالية وجود كواكب أخرى تشبهه.

كل هذا مثير ومدهش، لكنه لا يمثل سوى جزء بسيط مما كان علماء الفلك يتوقعون التوصل إليه من اكتشافات في أيامنا. ففي منتصف التسعينيات، عندما بدأ اكتشاف الكواكب خارج مجموعتنا الشمسية، أخذت ناسا تتحدث بفخر عن أنها بصدد إنتاج جيل جديد من التلسكوبات بهدف الكشف عن كواكب تتوافر فيها ظروف مناسبة للحياة.

وفي مطلع العقد الماضي كان من المفترض أن تقوم "بعثة قياس التداخل الفضائي" أو "SIM" بقياس الذبذبات متناهية الصغر التي تنتج بفعل جاذبية الكواكب القريبة في حجمها من الأرض وتتنقل في اتجاهين بينها وبين النجوم التي تدور حولها. وكان من المفترض بحلول عام 2007 أن يبدأ تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي، وهو مصمم ليكون أكبر وأقوى من تلسكوب "ويب" الجاري بناؤه، بالتقاط صور مباشرة لكواكب عملاقة إضافة إلى مهمات فلكية أخرى. وبحلول عام 2020، من المقرر أن يقوم تلسكوب الكواكب الأرضي بتصوير "توائم" لكوكبنا ومسح أغلفتها الجوية بحثا عن غازات يمكن أن تكون مؤشرات على وجود مواد بيولوجية.

لكن ما يحدث اليوم هو على النحو التالي: تم إلغاء بعثة قياس التداخل الفضائي؛ ما زال تلسكوب "ويب" (الأضعف والأصغر) قيد الإنشاء وربما يبدأ العمل بحلول عام 2018؛ تم تأجيل مشروع تلسكوب الكواكب الأرضي ومن غير المستبعد أن يتم إلغاؤه بالكامل. لا شك في أن هذا المسلسل من خيبات الأمل يرتبط إلى حد كبير بالتقليص المستمر لميزانية ناسا العلمية، وبالإضافة إلى ذلك فقد واجه مشروعا بعثة قياس التداخل الفضائي وتلسكوب الكواكب الأرضي سيلا من الاعتراضات من كثير من العلماء حول تصميم كل مشروع وضرورته أو أهميته.

وعلى الرغم من ذلك لا يزال علماء الفلك قادرين على اكتشاف عشرات الكواكب "الجديدة" باستخدام تلسكوب مركبة "كبلر"، التي تم إطلاقها عام 2009، وغيره من أدوات الاستكشاف الفلكي الأرضية. وبدلا من الجلوس في انتظار تمويل ناسا لأدوات باهظة الثمن استمر الكثير من العلماء المبدعين في البحث فيما وراء حدود العلم إلى نطاقات جديدة يوما بعد يوم، ومن بين هؤلاء ديفيد شاربونو من جامعة هارفرد، ووليام بوروكي من معهد أميس للأبحاث التابع لناسا، وميشيل مايور في مرصد جنيف بسويسرا.

على سبيل المثال، مارس بوروكي ضغوطا لأكثر من عشر سنوات لكي يقنع ناسا بالموافقة على مشروع "كبلر" المصمم للبحث عن تلك النقطة الصغيرة التي تعترض مسار الضوء عندما يمر الكوكب غير الشمسي من أمام نجمه. كانت هذه الطريقة في استكشاف الكواكب أكثر بساطة وأقل كلفة من مشروع SIM وما عداه، لكن وكالة الفضاء الأمريكية لم تكف عن الحديث عن عيوب في برنامجه بينما لم يكف هو عن الرد على استفسارات الوكالة وإعادة تقديم المقترح مرة تلو مرة، إلى أن تم قبوله في المرة الخامسة. ومنذ إطلاق المشروع، تمكنت "كبلر" من كشف النقاب عن احتمالية وجود 2,000 كوكب خارج المجموعة الشمسية.

أما شاربونو فقد اختار البحث عن نقاط صغيرة أيضا لكن من الأرض؛ فكانت فكرته تقوم على البحث عن النجوم الحمراء ذات البريق الضعيف، مفترضا أن استكشاف الكواكب عن طريق ملاحظة الضوء المنبعث عن هذه النجوم سوف يكون أسهل. وفي الوقت نفسه كان مايور يستخدم أدواته الفلكية التي تعود للتسعينيات في متابعة التغيرات في ألوان النجوم مع دوران الكواكب حولها، وحققت طريقته نجاحا لم يكن ليتوقعه أحد. وكان فريق هذا العالم بالذات هو الذي اكتشف كوكب نظام ألفا قنطورس.

خلاصة ما سبق: التباطؤ الذي شهدته صناعة التلسكوبات لم يؤثر على وتيرة استكشاف الكواكب بل إن العكس هو الصحيح، حيث ارتفعت حصيلة الكواكب المكتشفة من كوكب واحد عام 1995 إلى 800 كوكب تأكد وجودها وأكثر من 2,300 كوكب كشف مشروع "كبلر" عن احتمالية وجودها أيضا وما زالت في انتظار المزيد من البحث والملاحظة. بعض هذه الكواكب المحتملة جاء اكتشافها على يد علماء محليين تابعوا سير مركبة كبلر عبر موقع إلكتروني مخصص لهذا الغرض وتمكنوا من الكشف عنها بعد أن فشل العلماء الآخرون في ملاحظتها.

هذا النوع من القدرة على الابتكار خارج كل القيود هو ما أبقى عجلة الاكتشافات في دوران مستمر، وأذهلت نتائجه أكثر العلماء تفاؤلا بمفاجآت لا حد لها ما زال الكون يكشف عنها يوما بعد يوم. ولنا أن نتصور ما كان سيحدث لو أن ميزانية ناسا كانت تكفي لتحقيق أحلام هؤلاء العلماء.



ليست هناك تعليقات: