الخميس، مارس 15، 2012

"فلنخرج من هذه الأرض الملعونة!"

مورغان سترونغ*

بعض الحقائق تبقى ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، ومنها أن من المستحيل إنشاء مجتمع علماني حديث في ثيوقراطية متخلفة يحكمها القادة القبليون وأمراء الحرب ويتفشى فيها الفساد السياسي وتجارة المخدرات. وفوق هذا البؤس كله هناك مجموعات من الشباب المتحمسين للعنف الذين يرزحون تحت أعباء الفقر الشديد والجهل المطبق.

ولسنا بحاجة للكثير من المنطق لإثبات أن أفغانستان لا تستحق إزهاق أرواح المزيد من الأمريكيين فيها. فهذه الدولة، إن جاز لنا تسميتها بالدولة، ليست سوى فضاء جغرافي خارج إطار الزمن والتطور، وهذا هو أفضل وصف يمكن أن نطلقه على أفغانستان.

لقد أقحمنا أنفسنا في أفغانستان لكي نتخلص من القاعدة وطالبان. أما تنظيم القاعدة فقد غادر أفغانستان لأنه، رغم كل شيء آخر، ليس مجموعة من الأفراد المغفلين. إنهم أشرار، وخونة، ولصوص، وصعاليك لكنهم ليسوا أغبياء. لقد غادرت القاعدة إلى أماكن ليس لنا فيها وجود، وعلى إدارة أوباما أن تقر بأنهم رحلوا. ربما ذهبوا إلى باكستان، وربما إلى الصومال، وربما إلى السودان، وربما إلى العراق، وربما إلى إيران.

وبغض النظر عن المكان الذي رحلت إليه القاعدة فإنها الآن خارج أفغانستان. هذه هي المعلومات التي لدينا، أو التي ينبغي أن تكون لدينا ولكننا لا نملكها، لأن لدينا جهازا استخباريا لا يمكنه العثور على القاعدة حتى لو ظهرت لأفراده في وضح النهار، ونحن الذين ندفع لهم رواتب مرتفعة. والسبب الوحيد لوجودنا في أفغانستان اليوم هو القضاء على طالبان.

يتمترس مقاتلو طالبان في مواقعهم الدفاعية الحصينة في المقاطعات النائية. ولعلمنا أننا سنتعرض لخسائر لا يمكن احتمالها إذا أقدمنا على محاولة إخراجهم منها، فإننا لا نستطيع الإقدام على محاولة كهذه. وسوف تصنع طالبان ما صنعه الشيعة المدعومون من إيران في العراق: سوف تتجنب التصادم معنا أو مواجهتنا إلى أن نرحل، وبعدها سوف تظهر على السطح من جديد وتستعيد سيطرتها على البلاد.

لقد حاولنا أن نلبس أفغانستان بأكملها حلة ثقافتنا الحضارية والسياسية، وأنفقنا مليارات الدولارات على تدريب قوات الجيش والشرطة الأفغانية وفشلنا في ذلك. بل إننا نخشى من أن يشهر هؤلاء الأسلحة التي زودناهم بها في وجوهنا.

المبالغ الضخمة التي أرسلناها إلى أفغانستان لإنجاز هذه المهمات انتهى بها المطاف في الحسابات المصرفية الخارجية للقادة السياسيين وأفراد علائلاتهم. كما قفزت حصة تجار المخدرات الأفغان في السوق العالمية للكوكايين إلى عشرة أضعافها بينما كنا نسعى عبثا لمنع زراعة الخشخاش. أما مالكو شركات الحماية الأمريكية، إضافة لمن معهم من السياسيين، فقد جنوا مبالغ مالية طائلة نتيجة لهذه الحرب، وهم مسرورون لبقائنا في أفغانستان حتى الآن.

إن الوضع في البلاد بأكملها اليوم مشتعل: أولا بسبب الإساءة للقرآن، وثانيا بسبب المجزرة التي راح ضحيتها 16 مدنيا ويقال إن مرتكبها جندي أمريكي. الشعب الأفغاني اليوم يستخدم العنف ضد الأمريكيين الذين جاؤوا إلى أفغانستان وضحوا بحياتهم من أجل هذا الشعب. إنهم لا يجرؤون على التفكير بهذه الطريقة.

سوف ينظر الأفغان دائما إلى الأمريكيين بوصفهم كفارا يتوقون للغدر بالإسلام في أقرب فرصة، وهي نظرة تتولى طالبان تغذيتها وتعتبرها أقوى سلاح بحوزتها. وهذا الهراء لن ينتهي أبدا، بل سوف نجد دائما من يقتنص الفرص للإساءة إلينا بغض النظر عن حسن نوايانا أو عن مدى الإيثار الذي يبديه الأمريكيون الذين يذهبون إلى أفغانستان.

إن طالبان مكون أساسي من المجتمع الأفغاني والثقافة الأفغانية، وهم أشبه بشفرة وراثية انغرست بعد قرون من الانقياد الأعمى للدين، حيث يبدو طالبان كما لو كانوا جزءا من الخريطة الوراثية للشعب الأفغاني. وكما تنمو الأطراف أو الأعضاء في الجسم فإن هؤلاء ينمون في المجتمع.

الإسلام يعد الشعب الأفغاني بالخلود في الجنة بعد الحياة القاسية البائسة المملة التي عاشوها على هذه الأرض. الحياة بالنسبة لغالبية الأفغان هي رحلة طويلة من المشقة، وهم يعانون فيها من الإذلال والعبودية لأفراد النخبة في مجتمعهم. في ظل هذه الظروف كيف للمرء ألا يتمسك بأي أمل؟ الإسلام في الحقيقة هو الأمل الوحيد.

الإسلام في أفغانستان هو الحكم المطلق للدين والدولة معا، ويستحيل التمسك بالإسلام في ظل مجتمع ديمقراطي علماني. لا يوجد مثال على أي مجتمع في أي مكان أو زمان في العالم يسود فيه الإسلام ويسمح بالإبداع الفردي والفكري دون صراع بينهما. إن هذا، ببساطة، شيء مستحيل.

إننا لا نستطيع التفكير بالانتصار في أفغانستان، بل إننا لا نستطيع أن نرجو النجاة في أفغانستان.


* أستاذ تاريخ الشرق الأوسط سابقا ومستشار سابق لبرنامج "60 دقيقة" لقضايا الشرق الأوسط.

ليست هناك تعليقات: