الاثنين، مارس 26، 2012

درع من الأكاذيب



صرح رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل أثناء الحرب العالمية الثانية بأن الحقيقة جوهرة نفيسة ينبغي حمايتها بـ"درع من الأكاذيب". ولهذا السبب، أنشأت بريطانيا تحت قيادة تشرشل قيادة العمليات الخاصة بهدف تضليل النازيين وإرباكهم وخداعهم فيما يتعلق بنوايا الحلفاء وعملياتهم. وبفضل مخطط "الرجل الذي لم يكن" قبل غزو صقلية عام 1943 واختلاق جيش وهمي تحت قيادة الجنرال الأمريكي جورج باتون في إنجلترا قبل الإنزال في نورماندي عام 1944، توهم هتلر أن الحلفاء سوف يشنون هجومهم من موقع مختلف. ونتيجة لذلك، تم حشد أعداد كبيرة من الجنود الألمان في مواقع خاطئة.

ولسوء الحظ فقد اتسع نطاق استخدام درع الأكاذيب ليدخل ميدان السياسة على نطاق واسع خلال العقود الستة الأخيرة، ولم يكن له بالضرورة الأثر الإيجابي الذي أراده له تشرشل. وقد أصبح هذا ينطبق على السياسة الداخلية الأمريكية بالذات لدرجة بات الكذب هو القاعدة والصدق هو الاستثناء.

كانت حرب فيتنام، والتي عجل في اندلاعها وقوع حادثة خليج تونكين في أغسطس 1964، أكبر شاهد على هذا التحول. فقد تعرضت إحدى القطع الحربية الأمريكية لهجوم فردي بالغت إدارة جونسون في تضخيمه حتى حسبه الناس إعلان حرب، ولم يصوت سوى ثلاثة أعضاء في الكونغرس ضد قرار دخول أميركا فيما سمي بعد بالمستنقع الرهيب. كانت الحقيقة أكبر الضحايا بينما أخذ البيت الأبيض في عهد جونسون ومن بعده نيكسون بنشر الأكاذيب وتضليل الشعب الأمريكي حول مسار الحرب. 


عندما ترشح ريتشارد نيكسون للرئاسة عام 1968 زعم أنه كان يملك "خطة" لإنهاء الحرب، ولكنه في الحقيقة كان يكذب. وربما كان لجوؤه آنذاك لدرع الأكاذيب بسبب رغبته في التمويه على مبادرته تجاه الصين التي تجلت بعد أربع سنوات في زيارته التاريخية لبكين. وهكذا استمر التورط الأمريكي في حرب فيتنام لمدة ست سنوات أخرى.

واليوم بلغت السياسة الأمريكية حدا بات معه درع الأكاذيب بديلا عن الحقيقة، لا حاميا لها. وقد استخدم الرئيس جورج بوش الابن هذا الدرع في تبرير غزو العراق بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 على اعتبار أن صدام حسين كان يعمل على تطوير أسلحة للدمار الشامل بما في ذلك قنبلة نووية. والواقع أن ما أشعل الحرب هو "أجندة الحرية" والإيمان بأن فرض الديمقراطية سوف يغير من "الطبيعة الجيو-استراتيجية" للمنطقة.

وعندما ترشح السيناتور باراك أوباما (ديمقراطي، ولاية إلينوي) للانتخابات الرئاسية عام 2008 أطلق على حرب أفغانستان تسمية "الحرب الخيرة" مقارنة بالحرب الشريرة التي كانت تدور رحاها في العراق. ولكن تلك "الحرب الخيرة" تحولت إلى درع من الأكاذيب في تبرير التغيرات الكبرى في الاستراتيجية الأمريكية في أفغانستان مما قاد إلى الالتزام بسحب القوات المقاتلة منها بحلول 2014 وتسليم المسؤولية الأمنية للحكومة الأفغانية التي ما تزال تفتقر للموارد وللاستقرار الاقتصادي وللشرعية وللأدوات اللازمة لتحقيق كل ذلك. والأسوأ من ذلك هو أن المنطقة بكلها باتت على شفا الانفجار بسبب تردي العلاقات مع أفغانستان والتخبط في التعامل مع الطموحات النووية الإيرانية.

سوف يخوض أوباما الانتخابات في هذا العام أيضا على أرضية إنقاذ صناعة السيارات الأمريكية وقتل أسامة بن لادن، وسوف يستدل على الإنجاز الأول بنجاة جنرال موتورز وكرايسلر من الإفلاس. وللأسف فإن هذا الدرع من الأكاذيب القائم على أنصاف الحقائق كان سيحظى بإعجاب تشرشل وتقديره.

لا أحد يتحدث مثلا عن شركة فورد التي أنقذت نفسها دون الاستعانة بفلس واحد من نقود العم سام. ولا أحد يذكر أن جنرال موتورز ما تزال مدينة لدافعي الضرائب الأمريكيين والبريطانيين بأكثر من 30 مليار دولار. أما تويوتا وهوندا وفولكسفاغن وغيرها من شركات السيارات الأجنبية التي تملك مصانع داخل الولايات المتحدة فهي أيضا خارج المعادلة.

لا جدال في أن أوباما كان يتحلى بالجرأة والشجاعة عندما قرر إرسال أفراد مشاة البحرية الأمريكية إلى مخبأ بن لادن في أبوت أباد، لكن هذا يجب ألا ينسينا مئات المليارات وربما ترليونات الدولارات التي تم إنفاقها منذ 11 سبتمبر والجهود التي بذلها مئات الآلاف من الأمريكيين لتحقيق هذا الإنجاز منذ أيام إدارة بوش الابن، وهؤلاء هم الأبطال الحقيقيون. ورغم ذلك كله فإن من يحظى بالفضل هو الرئيس لمجرد أنه راهن على الجواد الرابح.

ولا يقل الجمهوريون في هذا الصدد سوءا؛ فبالرغم من كل الوعود، فإن الخطط الاقتصادية لكل من رومني وسانتوروم وغينغريتش سوف تؤدي إلى زيادة حجم الدين بدلا من تقليصه، وهذا وفقا للعديد من المنظمات غير المتحيزة. السيناتور السابق ريك سانتوروم (جمهوري، ولاية بنسلفانيا) يعد باستخدام القوة العسكرية لمنع إيران من تملك أسلحة نووية دون أن تكون له أدنى فكرة عن العواقب التي ستترتب على هذا الفعل. أما رئيس مجلس النواب الأسبق نيوت غينغريتش (جمهوري، ولاية جورجيا) فهو يعد بتخفيض أسعار الوقود إلى 2.5 دولار للغالون الواحد، وهذا يشبه طموح الملك كانوت** في طي المحيطات.

ربما يكون من المثير للجدل طرح تساؤل عما إذا السياسة اليوم أفضل أو أسوأ منها في الماضي، لكن الواقع هو أن درع الأكاذيب الذي كان الهدف منه حماية الحقيقة بات الآن بديلا عنها، وهذا لا يبشر بالخير لأميركا.


*رئيس مجموعة كيلووين المتخصصة في تقديم الاستشارات لرؤساء الحكومات والأعمال، وهو أحد كبار المستشارين في مجموعة "مجلس الأطلسي" بواشنطن.
**الملك كانوت المعروف بالعظيم (حوالي 995 - 1035)، ملك الدنمارك وإنجلترا والنرويج وأجزاء من السويد. اشتهر بمهارته السياسية والعسكرية مما وضعه في مصاف أعظم حكام أوروبا في العصور الوسطى. (ويكيبيديا)

ليست هناك تعليقات: