الأحد، مارس 18، 2012

ثنائيو اللغة أكثر ذكاء من أقرانهم


يوديجيت باتاشارجي*
(نيويورك تايمز)


لا شك في أن القدرة على التخاطب بلغتين تعود على صاحبها بالكثير من المنافع في ظل تسارع خطى العولمة في مجتمعاتنا. وفي السنوات الأخيرة وجد العلماء أن فوائد ثنائية اللغة أكثر اتساعا من مجرد القدرة على التحاور مع عدد أكبر من الناس، حيث تبين أن الأفراد القادرين على التحدث بلغتين هم أكثر ذكاء من أقرانهم. ويمكن أن تؤدي ثنائية اللغة إلى آثار عميقة على الدماغ، حيث تعمل على تحسين القدرات المعرفية غير المرتبطة باللغة وربما تكون جدارا واقيا من الخرف عند التقدم في السن.

وتختلف هذه النظرة الجديدة إلى ثنائية اللغة عما كان سائدا خلال معظم سنوات القرن العشرين. فقد ظل الباحثون والمربون وصانعو القرار مقتنعين لمدة طويلة بأن اللغة الثانية، من وجهة النظر المعرفية، ما هي إلا حاجز يقف عائقا أمام النمو الأكاديمي والعقلي السوي للطفل. ولم يكن هؤلاء مخطئين بشأن الحاجز: فهناك أدلة دامغة على أن أدمغة الأفراد ثنائيي اللغة تكون فيها الأنظمة الخاصة بكلتا اللغتين نشطة في آن معا حتى لو لم يستخدم الفرد سوى لغة واحدة، ولا بد أن يؤدي هذا إلى تضارب في عمل تلك الأنظمة. لكن الباحثين توصلوا مؤخرا إلى أن هذا الحاجز لا يمثل إعاقة بقدر ما يمثل ميزة غير مرئية، حيث أنه يجبر الدماغ على ممارسة تمارين ذهنية لعضلاته المعرفية تتبدى نتائجها في التغلب على التضارب الحاصل بين النظامين اللغويين.

ويبدو أن الأفراد ثنائيي اللغة يكونون، على سبيل المثال، أكثر قدرة على التكيف من أقرانهم أحاديي اللغة في حل مختلف أنواع الأحاجي الذهنية. ففي دراسة أجرتها عالمتا النفس إلين بياليستوك وميشيل مارتن- ري عام 2004، طلبت الباحثتان من مجموعة من الأطفال في سن ما قبل المدرسة (بعضهم من أحاديي اللغة والبعض الآخر من ثنائيي اللغة) أن يوزعوا عددا من الدوائر زرقاء اللون والمربعات حمراء اللون كانت معروضة على شاشة الحاسوب أمامهم على سلتين رقميتين: الأولى مرسوم عليها مربع أزرق اللون والثانية مرسوم عليها دائرة حمراء اللون.


كانت المهمة الأولى تتطلب قيام الأطفال بتصنيف الأشكال حسب اللون، بحيث يضعون الدوائر الزرقاء في السلة التي رسم عليها مربع أزرق والمربعات الحمراء في السلة التي رسم عليها دائرة حمراء. وقد تمكنت المجموعتان من إنجاز هذه المهمة على نحو متقارب. في المرحلة الثانية أصبح مطلوبا من الأطفال أن يصنفوا الأجسام حسب الشكل، وهذه المهمة أكثر صعوبة لأنها تتطلب وضع الأشكال في السلة ذات اللون المخالف، وقد استطاع ثنائيو اللغة إنجاز هذه المهمة بسرعة أكبر من أقرانهم.

وتشير الأدلة المتراكمة من عدد من الدراسات المشابهة لهذه الدراسة إلى أن ثنائية اللغة تعمل على تعزيز ما يسمى بالوظيفة التنفيذية للدماغ، وهي نظام للتحكم يقوم بتوجيه عمليات الانتباه التي نستخدمها في التخطيط وحل المشكلات وأداء مختلف المهمات التي تتطلب جهدا ذهنيا. ومن هذه العمليات: تجاهل المشتتات للمحافظة على التركيز، وتحويل الانتباه إراديا من شيء لآخر، والاحتفاظ بالمعلومات في الذهن. على سبيل المثال: تذكر سلسلة من الاتجاهات أثناء قيادة السيارة.

لكن كيف يعمل التضارب بين لغتين نشطتين في وقت متزامن على صقل هذه الجوانب المعرفية؟ كان الباحثون يعتقدون حتى وقت قريب أن ميزة ثنائية اللغة إنما كانت تنبع من القدرة على الكف/ التثبيط والتي تتنامى بفعل ممارسة كبح النظام اللغوي للفرد، وكان يُعتقد أن هذا الكبح يسهم في تدريب العقل ثنائي اللغة على تجاهل المشتتات في السياقات المختلفة. لكن هذا التفسير يبدو غير منصف لأن الدراسات أثبتت أن أداء الأفراد ثنائيي اللغة يكون أفضل من أداء أقرانهم أحاديي اللغة حتى في المهمات التي لا تتطلب الكف، مثل تمرير خط عبر مجموعة متصاعدة من الأرقام المتناثرة على ورقة بصورة عشوائية.

ولعل الفارق الأساسي بين أحاديي اللغة وثنائيي اللغة أكثر بساطة مما سبق، حيث يكمن في: ارتفاع القدرة على الإحاطة بما يجري في البيئة. يقول ألبرت كوستا، وهو باحث في جامعة بومبيو فابرا بإسبانيا: "يضطر ثنائيو اللغة إلى التبديل بين اللغات على نحو متكرر- فيمكن للواحد منهم أن يخاطب والده بلغة معينة ووالدته بلغة أخرى". ويضيف كوستا إن هذا "يتطلب الإحاطة المستمرة بالتغيرات المحيطة بالفرد على ذات الصورة التي نتابع بها ما يجري حولنا أثناء قيادة السيارة". وقد أجرى كوستا وزملاؤه دراسة قارنوا فيها بين أفراد ثنائيي اللغة (الإيطالية والألمانية) وآخرين أحاديي اللغة (الإيطالية)، ووجدوا أن المفحوصين من ثنائيي اللغة كان أداؤهم أفضل من أقرانهم، بل إنهم بذلوا مقدارا أقل من الجهد الذي بذله أقرانهم في الأجزاء المختصة بالمراقبة في الدماغ، وهذا يشير إلى كونهم أكثر إحاطة بما يدور من حولهم.

ويبدو أن تأثير ثنائية اللغة على الدماغ يظل قائما من الطفولة حتى الشيخوخة (وهناك ما يدعو للاعتقاد بأن هذا الأثر ينطبق أيضا على الأفراد الذين يتعلمون لغة ثانية في مراحل متقدمة من العمر).

في دراسة أجريت عام 2009 بقيادة أغنيس كوفاكس من الكلية الدولية للدراسات المتقدمة في مدينة تريستي الإيطالية، تمت المقارنة بين أطفال بعمر سبعة أشهر يعيشون في بيئات ثنائية اللغة منذ ولادتهم وآخرين من العمر نفسه يعيشون في بيئات أحادية اللغة. في المراحل الأولية من الدراسة قام الباحثون بإصدار مقاطع صوتية للأطفال تلاها عرض دمية على جانب من شاشة عرض، وسرعان ما تعلم أفراد المجموعتين أن ينظروا إلى طرف الشاشة بمجرد سماعهم للمقطع الصوتي. وفي المرحلة التالية من التجربة أصبحت الدمية تظهر على الجانب الآخر من الشاشة، وكان الأطفال الذين يعيشون في بيئة ثنائية اللغة أسرع من أقرانهم في تعلم النظر إلى الجانب الآخر من الشاشة عند سماع المقطع الصوتي ذاته.

ويمتد أثر ثنائية اللغة أيضا إلى سنوات خريف العمر؛ فقد أجرى عدد من العلماء بقيادة عالمة النفس العصبي تامار غولان من جماعة كاليفورنيا في سان دييغو تجربة على 44 شخصا من كبار السن ثنائيي اللغة (الإنجليزية والإسبانية)، وتبين لهم الأفراد الذين يتمتعون بأعلى درجات ثنائية اللغة – والتي يتم قياسها بإجراء تقييم مقارن لدرجة الكفاءة في كل لغة – كانوا أكثر مقارنة من غيرهم لأعراض الخرف وأعراض مرض الزهايمر: كلما كانت درجة ثنائية اللغة أعلى كانت احتمالية الإصابة بالخرف في عمر أكبر.

لم يسبق لأحد أن شكك في قوة اللغة من قبل. لكن من كان ليتصور أن الكلمات التي نسمعها والجمل التي نتخاطب بها يمكن أن تترك مثل هذا الأثر العميق؟


*كاتب في مجلة Science

ليست هناك تعليقات: