الأربعاء، يناير 04، 2012

الكلفة المنسية للحرب



لم نسمع بعد انتهاء الحرب على العراق سوى القليل من الحديث حول مدى الدمار الذي تركناه هناك. وكما هي العادة عندنا، تركز النقاش على الثمن الذي دفعته أميركا لهذه الحرب من دماء وأموال، وعلى المبررات الزائفة التي قدمها المسؤولون عن الحرب والتحديات التي فرضتها على الاستقرار في المنطقة. وفي خضم هذا كله لم يتحدث أحد عما حصل للعراقيين أنفسهم. وفي ليبيا أيضا، كانت نتائج التحقيقات التي جرت مؤخرا حول الضحايا المدنيين لحملة القصف الجوي التي شنها حلف شمال الأطلسي (نيتو) أول دليل يبطل الوهم الذي صدقه الكثيرون بأن تلك الحرب كانت دون ضحايا.

لا يجادل أحد في أن الحروب تسبب دمارا هائلا، لكن نظرتنا إلى الحروب الأمريكية تبدو قاصرة عند جانب واحد من جوانب هذا الدمار: الخسائر البشرية التي يتكبدها قاطنو المناطق التي تشهد العمليات العسكرية.

إننا نخمد أصوات الضحايا ونقلل من شأن استغاثاتهم من غارات منتصف الليل، وعمليات التفتيش من بيت إلى بيت، والحواجز العسكرية، والهجمات بالطائرات دون طيار، والقنابل التي تسقط على حفلات الزفاف بدلا من معسكرات القاعدة. 

كان الجنرال تومي فرانكس قد أدلى بتصريح شهير إبان الأيام الأولى من الحرب في أفغانستان قال فيه: "نحن لا نحصي جثث القتلى"، لكن لا بد أن يقوم أحد بذلك. إن إحصاء جثث القتلى يخبرنا بالكثير عن الحرب وأولئك الذين يشعلونها.


وبعد انقضاء أكثر من عشر سنوات على اندلاع الحرب في أفغانستان، ما زلنا لا نملك سوى أقل القليل من المعلومات حول عدد الأشخاص الذين قتلوا نتيجة لهذه الحرب. يقوم مكتب الأمم المتحدة في كابول بتجميع بعض الأرقام عن الضحايا في المشارح وغيرها، لكن هذه الأرقام تظل ناقصة. وهذا ينطبق أيضا على العراق، بالرغم من وجود بعض الجهود المستقلة لإحصاء القتلى هناك.

هذه الأرقام، التي لا تقل عن مئات الآلاف، لا تنال إلا القليل من الاهتمام. فالقادة السياسيون والعسكريون الأمريكيون، وكذلك عامة الشعب الأمريكي، لا يبدون اهتماما كبيرا بالخسائر البشرية غير الأمريكية.

والواقع أن النكران يعود على صاحبه بثمار سياسية. إن تجنب الحديث عن أعداد القتلى واللاجئين والمحرومين والمستشفيات والمدارس المهدمة والأنظمة المائية المدمرة يعني بطبيعة الحال نكران أن تكون الحرب ذاتها قد وقعت أصلا.

ليس بوسع الجيش الأمريكي أن يتحلى بكل هذه الشهامة في الحرب، بل إن آثار الحروب التي خضناها تظهر إلى حد كبير سبب إصرار الآخرين على قتالنا.

في العراق، على سبيل المثال، كان يقال إن دافع المقاومة السنية هو فقدان السنة لمركز القيادة في الدولة، ولم يتحدث أحد إلا نادرا عن العنف الذي مارسه الأمريكيون بحق المدنيين في بداية الحرب. ذكر الكثير من الأسرى العراقيين أنهم كانوا يدافعون عن مجتمعاتهم بالقتال ضد قوات الاحتلال. وقد أدى استخدام العنف مع الأسرى أو قتلهم – كما فعلت قوات التحالف في عدد لا يحصى من عملياتها العسكرية – إلى لجوء بعض العراقيين إلى حمل السلاح واستخدام العبوات الناسفة وتنفيذ التفجيرات الانتحارية. وكلما زاد مقدار العنف الذي يمارسه المحتلون، زادت شراسة المقاومين.

أدرك الجنرال ديفيد بترايوس هذا كله وسعى لإصلاح ممارسات الجيش. وقد ذكر في دليل ميداني شارك في تأليفه في العام 2006 أنه عندما "تفشل القوات في توفير الأمن للمدنيين أو تمثل تهديدا لأمنهم، فمن المرجح أن يلجأ الناس إلى الجماعات المسلحة طلبا للضمانات الأمنية. ومن شأن هذا أن يوفر دعما للمتمردين".

وأظهر عدد كبير من استطلاعات الرأي أن العراقيين نظروا إلى القوات الأمريكية بوصفها السبب الرئيس للعنف الذي اجتاح بلادهم. وبالرغم من أن العنف الذي اشتملت عليه الحرب وعملية الاحتلال كان هو المسبب والمحفز للمقاومة العراقية، فإننا لا نزال عاجزين عن فهم هذه المعادلة. وقد نشر موقع ويكيليكس في أكتوبر 2010 مجموعة من الوثائق العسكرية تضمنت إحصاءات بالقتلى العراقيين، لكن هذه التقارير تظل ناقصة ومتحيزة في كثير من الأحيان، وهي لا تعكس إلا الوقائع التي كان الجنود شاهدين عليها بأنفسهم. وفي ذات السياق فإن التقارير الإخبارية لا تقدم سوى معلومات محدودة. وفي جميع الأحوال فإن قادتنا السياسيين والعسكريين لا يهتمون بهذه الأرقام أصلا.

بدلا من ذلك، ينخرط قادتنا في تشييد عالم افتراضي لا يضم سوى القليل من الخراب، متجاهلين كل مخاوف السكان المدنيين. خلال العام 2006 تم إجراء مسحين منفصلين من قبل وزارة الصحة العراقية وجامعة جون هوبكينز الأمريكية، وتبين وجود ما بين 400,000 و650,000 حالة وفاة "إضافية" نتيجة للحرب. وفي الوقت نفسه كان القادة العسكريون يتحدثون عن 50,000 قتيل فقط، بل إن الرئيس بوش زعم في أواخر العام 2005 أن الرقم لم يتجاوز 30,000 قتيل.

إذا لم يكن قادتنا راغبين في التعرف على مدى القتل والدمار والفوضى الناجمة عنهما في المجتمعات المحلية، فمن المرجح أن تؤول العمليات العسكرية الأمريكية إلى الفشل وأن تتوتر العلاقات مع الحلفاء كما حصل مع الرئيس حامد كرزاي في أفغانستان.

لقد تم تجاهل الشكاوى الكثيرة التي قدمها كرزاي ضد عمليات حلف النيتو التي أسفرت عن مصرع المدنيين، واعتبر الغرب ذلك مجرد استعراض سياسي من جانبه، لكن إصراره على إثارة القضية يظهر لنا مدى أهميتها بالنسبة للشعب الأفغاني. وبينما نصر نحن على تجاهلها، فإنها تجد آذانا صاغية لدى المسلمين في سائر أنحاء العالم.

إن تجاهل الخسائر البشرية والمادية التي يتكبدها المدنيون هو فشل أخلاقي بقدر ما هو فشل استراتيجي أيضا. علينا أن نستخدم أدوات مناسبة في تقييم الدمار الناتج عن حروبنا – "إبستمولوجيا الحرب" كما سماها الجنرال وليام تيكوميش شيرمان – لاختراق جدار النسيان الذي يحيط بنا من كل جانب.

إذا لم نطالب بمعرفة التفاصيل الكاملة لتكاليف الحرب فإن الفشل في المستقبل سوف يكون متوقعا، بل مضمونا أيضا.



*المدير التنفيذي لمركز الدراسات الدولية في معهد ماساتشوستس للتقنية. مؤلف كتاب "وفيات الآخرين: مصير المدنيين في حروب أميركا".

ليست هناك تعليقات: